اعتاد العالم اليوم أن يحتفل بعيد الميلاد وسط مظاهر الزينة والأضواء وتقديم الهدايا. وكاد هذا العيد الذي يحتفل به المسيحيّون بميلاد يسوع المسيح يصبح عيدًا شعبيًّا يتباهى فيه الكبار والصغار ليرَوا مَن يصنع أجمل شجرة وأكبر مغارة ومن يقدّم أثمن الهدايا. ما يريده هذا المقال هو تصويب معنى هذا العيد، ما أمكن، انطلاقًا من بعض ما كتبه الإنجيليون عن هذا الحدث ونقلوه ليؤمن العالم يسوع المسيح، إلهًا ومخلّصًا وانطلاقًا من التقليد المسيحيّ.
تاريخيّة العيد
انتظر اليهود منذ القدم، المسيح المخلّص من سلالة داود. ولم يكن هنالك تحديدٌ واحدٌ لشخصه ولمكان وتاريخ مجيئه. من هنا تعدّدت التيارات. وجاء يسوع في أيام الرومان. وأعلن أنه المسيح المُنتظر، وصَحب الأقوال بالأفعال. آمن به البعض ولكن قادة اليهود رفضوه فصُلب. وبشّر تلاميذه والرسل به قائمًا من بين الأموات وسيّدًا وربًّا. وكُتبت الأناجيل تروي بشارة الخلاص بيسوع. أما تحديد الاحتفال بعيد الميلاد في 25 كانون الأول من كلّ سنة فيعود للملك قسطنطين في القرن الرابع، حيث أحلّه محل عيد الشمس الوثني. وانتشر هذا التقليد سريعًا بين المسيحيين الذين احتفلوا بمجد الله الذي ظهر بيسوع، النور الذي ينير كلّ إنسان.
ومنذ بداية الكنيسة وخاصة ابتداء من القرن الحادي عشر، برزت تقاليد وعادات للاحتفال بهذا العيد. فكان تزيين شجرة الميلاد، وصنع المغارة، التي تأوي الطفل يسوع وأمّه مريم ويوسف يحيط بهم الرعاة والمجوس مع هداياهم والحيوانات. ورافقت الموسيقى والأضواء كلّ هذه الزينة.
المغارة
في الواقع يعود تقليد المغارة إلى القديس فرنسيس الأسيزي الذي أحيا في غرِشيو في إيطاليا في القرن الثالث عشر أول مغارة مثّل فيها أهل البلدة الصغيرة حدث الميلاد. أما تقليد الحيوانات في المغارة فهو يرجّع صدى إحدى نبوءات أشعيا في الكتاب المقدّس والذي قال أن "الثور يعرف معلفه والحمار مغارة سيّده". وكان إنجيل منحول (غير قانوني وغير معترف به في الكنيسة) من القرن السادس أشار إلى الحمار والثور الذين سجدا ليسوع في المغارة في إشارة إلى نبوءة أشعيا نفسها.
شجرة الميلاد
يبدو أن شجرة الميلاد لا تعود إلى أصل وثني إلماني بل إلى عادة مسيحيّة بدأت في القرن الحادي عشر وتجمع عنصرين دينيّين: النور والحياة. أما شجرة الميلاد كما نعرفها اليوم فظهرت في منطقة الألزاس في فرنسا في القرن السادس عشر وأضيفت إليها الشموع في القرن التالي وانتشرت في أوروبا في القرن التاسع عشر. وفي ميلاد 1912، زُيّنت ساحة مدينة بوسطن في الولايات المتحدة الأميركيّة بأشجار ميلاد مضاءة ولاقى هذا الأمر رواجًا تخطّى أميركا إلى العالم كلّه.
بابا نويل والهدايا
قصة بابا نويل والهدايا، تعود إلى قديم الزمان كما نقول في حكاياتنا الشعبيّة. من القديس زخيا (سان نيكولا) إلى الطفل يسوع موزّع الهدايا، عرف هذا التقليد تغيّرًا ولكن الذين أحيوه حافظوا على فكرة توزيع الهدايا وبهجة الأولاد. وفي حلّته المعاصرة، وُلد بابا نويل أيضًا، في الولايات المتحدة وسط القرن التاسع عشر، واحتفظ بالشكل العجوز الذي يشبه القديس نيكولا.
لا شكّ أن كلّ هذه المظاهر الخارجيّة، حافظت على ذكرى عيد ميلاد يسوع. لكنها وإن استقت من الأناجيل وجودها إلا أنها فقدت مع الوقت المعنى الذي ترمز إليه والذي يعطيها أهميّتها في تأوين حدث ميلاد يسوع. فكيف عبّرت الكنيسة الأولى عن حدث ميلاد المسيح؟
اعتمدت الكنيسة الأولى أساليب قراءة وتأويل الكتاب المقدس الشائعة في الأوساط اليهوديّة. وتستند هذه القراءة بشكل أساس على التأمل بكلمة الله وتأوين الحدث البيبلي انطلاقًا من الوضع الحاضر.
فبالنسبة لميلاد يسوع، تأمل المسيحيّون الأول به وربطوه بقصص ولادة وطفولة شخصيات معروفة في الكتاب المقدس (موسى، ابراهيم، صموئيل...). وفهموه تتميمًا لها. واعتمد القديس متى مثلاً في إنجيله (كتب حوالى 80-90 م) العبارات والمواضيع الروائيّة المعروفة في عصره، وأراد بذلك أن يبين أن يسوع "أتمّ" وأكمل كل ما "جاء في الكتب المقدسة".
الشجرة ونسب يسوع المسييح
منذ القدم وحتى أيامنا هذه، يعود الفرد إلى شجرة العائلة أي نسبِه ليعرّف عن نفسه. وشجرة الميلاد في معناها الأعمق تذكّرنا بالحياة (سفر التكوين يحدّثنا عن شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشرّ في وسط الجنة) وبشجرة النسب. ونسب يسوع في إنجيل متى له دلالات كثيرة، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الدلالة إلى أن يسوع هو آدم الجديد وأن الله حضّر التاريخ لمجيء المخلّص عبر مراحل عدّة (الآباء والملوك وما بعد السبي) وأن قصة الشعب اليهوديّ تجد معناها وتتويجها في يسوع المسيح الذي يحمل على عاتقه إنهاء سَبيَ شعبه.
وترمي الأسماء المذكورة في النسب كلّها، إلى القول أن يسوع ابن الله، وُلد من سلالة بشريّة وهو الإله. وقد وُجدت بين جدّاته مثلاً نسوة أربعة من أصلٍ غريب عن شعب الله وخاطئات برّرهن الله أيضًا. وهن تامار وراحاب وراعوث وبتشباع. كلّ هؤلاء النساء وَلدن بطريقة غير شرعيّة ولدًا سليلاً لداود. ويؤكد التقليد اليهودي أن الله تدخل في كل مرة لدى هذه النساء ليغير مجرى الأمور. لذلك فذِكرهنّ في المسار المسيحانيّ، يدلّ على فعل مجاني من الله الذي يرفع العقبة المستحيلة في الظاهر...ويفتح المجال للشعوب والأمم كلّها لتتلقى بشرى الإنجيل. وهن (إي النسوة) تحضرن لمريم المرأة الخامسة في النسب، التي ستلد هي أيضًا بفعلٍ غريب أي من الروح القدس.
والسؤال الذي يمكن أن يطرحه الإنجيل على المؤمن اليوم هو: هل تقبل بأن تنضمّ إلى هذه الشجرة فتكون بفعل مجانيّ من الله ابنًا مبَرَّرًا تلِده الكنيسة من أحشائها باستمرار ويحمل بشرى الخلاص للعالم؟
ميلاد يسوع
ولد يسوع في بيت لحم في اليهودية. وبيت لحم تعني في العبرية "بيت الخبز". واستشهاد متى بالنبي ميخا لتحديد مكان ميلاد يسوع يجعلنا نفهم مع الجماعة المسيحيّة الأولى كيف أن يسوع هو المسيح المخلّص والراعي الذي يقود شعبه إسرائيل.
ويروي متى قصة الحلم ليوسف ليحثّه على تبنّي الطفل المولود من مريم. وهي تجد أساسها في روايات البشارة بموسى مخلّص شعب إسرائيل من عبودية فرعون. هكذا يقول متى أن يسوع واسمه يعني "الله يخلّص" هو موسى الجديد، الذي يخلّص شعبه من خطاياهم.
الرعاة
يمثّل الرعاة الشعب الفقير المهمّش. ظهر لهم ملاك الربّ أي الربّ نفسه وأضاء مجده عليهم. وأشرق نوره، ليس على طريقة زينة الميلاد بل على طريقة الله الذي يأتي إلى الإنسان ليكون "عمانوئيل" أي "الله معنا". لم يعد مجد الله كما في العهد القديم في البروق والرعود والنار بل في الطفل الوضيع الذي صار بشرًا. بشّرهم الملاك بفرح عظيم يكون لهم وللشعب كله بولادة المخلص المسيح الربّ, وترافقت هذه البشارة بتهليل الملائكة. هذه الأجواء من الفرح والنور والترانيم تقول لنا أن مجيء الله بين البشر هو بشرى خلاص يفرح به الجميع وأولّهم الوضعاء. والكلّ مدعو إذ رأى وآمن أن يبشّر ويسبح الله فرِحًا ويشعّ من نوره على كلّ من يلتقيه!
المجوس والكوكب
ويحدّثنا الإنجيليّ متى عن مجوس أتوا من المشرق إلى أورشليم يقودهم نجم ليرَوا أين ملك اليهود الذي وُلد فيسجدوا له.
كانت المعتقدات الفلكية سائدة في القديم. لكن متى يتحدّث عن كوكب يعرفه قراؤه. فهو يشير إلى المسيح ـ الملك الذي يخلّص شعبه, على ما جاء في سفر العدد من الكتاب المقدّس: "كوكب يخرج من يعقوب وعصا (أو رجلٌ كما كان يترجم اليهود) من إسرائيل". هذا الكوكب الذي يقود المجوس هو علامة حضور الله وعنايته.
اختلف المفسّرون حول هوية المجوس. فالمؤرخ هيرودوت يُرجع أصلهم إلى الفرس وينضمّ التقليد اللاتيني إلى أوريجانوس والقديس لاون الكبير (القرن الخامس) ليتحدّث عن ثلاثة ملوك، والتقليد السرياني والأرمني يعدّ اثنا عشر مجوسًا. لا فرق. ما يهمّ هو أن علم الفلك وروّاده الوثنيون يسجدون للطفل الربّ سيّد الخليقة كلّها.
وقدّم المجوس ليسوع ذهبًا وبخورًا ومرًّا. وتعدّدت التفسيرات في معنى هذه التقادم. فمنهم من رأى أن الذهب يرمز إلى ملوكيّة يسوع، والبخور إلى ألوهيّته والمرّ إلى بشريّته وموته أو إلى حبّ المسيح لشعبه. ومع تأمل سرّ الميلاد، رأى آخرون أن تقادم المجوس هي علامة تقدمة الذات للطفل الإلهيّ. فالذهب يشير إلى حبّ الإنسان له والبخور إلى حنينه إليه، والمرّ إلى آلام البشر. مهما يكنّ، فالمجال مفتوحٌ دائمًا لاستنباط معانٍ جديدة وهذا ما يضمنه التقليد الحيّ للكنيسة. وإذا كانت عادة تقديم الهدايا تجدُ مصدرًا لها في تقادم المجوس ليسوع. فحبّذا لو يعود كلّ مؤمن ليقدّم ذاته ليسوع، دون أن يُهمل هداياه لإخوته البشر.
"الله صار بشرًا وحلّ بيننا"، هو الكلمة. وكلمته اليوم في الكتاب المقدّس يمكن أن تكون نورًا لكلّ مؤمنٍ فيدخل في سرّ الله المتجسّد ويحتفل به احتفالاً أعمق كلّ سنة. وإذ يتلقّى عطيّة الله في ولادة المخلّص طفل المغارة، يقبل أن يضيء بنوره عليه ويأتي إليه ساجدًا، مقدّمين ذاته والعالم، منشدًا مع الملائكة: "المجد لله في العلى" راجيًا "على الأرض السلام للناس أهل رضاه".
الأخت تيدولا عبدو، باحثة في العلوم الدينيّة.